آراء وتحليلات

مستقبل العلاقات الروسية التركية

كتبت بواسطة : NRLS

 

في السابع والعشرين من شهر أب 2019 قام أردوغان بزيارة إلى روسيا، الزيارة جاءت على خلفية من جملة الأحداث والوقائع، وحملت العديد من الدلالات التي ترتبط بتطورات الصراع المسلح بين   المرتزقة الإرهابيين وقوات النظام السوري في شمال غرب سوريا وخاصة في مدينة إدلب وريفها، وكذلك التقارب بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية حول آلية المنطقة الآمنة في شمال وشرق سوريا.

وقد سبقت الزيارة بين الفينة و الأخرى حالات من التوتر تارة والتفاهم بين الطرفين تارة أخرى، بسبب تقدم قوات النظام وسيطرته على منطقة خان شيخون في جنوبي إدلب، والرضوخ التركي للولايات المتحدة الأمريكية حول شمال وشرق سوريا، لأن ما تم تنفيذه على الأرض بعد التفاهمات الأخيرة بينهما لم تكن حسب الرؤية التركية للمنطقة الآمنة، وتبين بأن تركيا فشلت في محاولة إرساء مفهوم التدخل والاحتلال لشمال وشرق سوريا على مسار الأحداث السياسية مع روسيا ـ تبادل المناطق ـ على حساب مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وفي هذه النقطة بالذات أدت العلاقات الروسية التركية حول إدلب إلى المزيد من التوتر وظهور الخلافات بينهما وهذا بالطبع سيؤثر على المصالح الجيوسياسية لكلا البلدين في سوريا.

لذلك ما جرى خلال الزيارة بين أردوغان وبوتين له دلالات خاصة، تستهدف مسار العلاقات بين كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية.

 وتأتي زيارة كلٌ من بوتين و أردوغان المعرض الجوي الفضائي ماكس 2019 في موسكو، وظهرا وهما يتفقدان طائرة روسية من طراز جديد سوخوي 57 التي لا تستطيع الرادارات الدفاعية رصدها، وبكل تأكيد ظهور أردوغان وبوتين على متن الطائرة الروسية الجديدة ليس مجرد حالة اطلاع، وإنما يعتبر بمثابة رسالة واضحة من روسيا إلى الناتو بأننا قادرون على اختراق قوانين حلف الناتو من خلال بيع تركيا المنظومة الصاروخية الدفاعية إس 400 وكسب تركيا أكثر لشراء الطائرة المتطورة سوخوي 57، وأيضاً رسالة من أردوغان إلى الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية بأنه يستطيع الطيران خارج السرب الغربي ونظامه العسكري المتمثل في حلف الناتو، أي محاولة من أردوغان في فرض الرؤية السياسية للعدالة والتنمية على الناتو والاتحاد الأوربي وما يدل على ذلك تصريحات أردوغان خلال اللقاء ببوتين بأنهم يعملون على رفع سقف التبادل التجاري بين روسيا وتركيا إلى 100 مليار دولار بعد أن وصل حجم التبادل التجاري في هذا العام إلى 25 مليار دولار  وتأكيده على قدرة تركية بشراء سو خوي 57 بعد أن حرمتها الولايات المتحدة الأمريكية من برنامجها لتصنيع طائرات إف 35 التي رغبت تركيا في شرائها.

أما الموقف الآخر الذي حصل على هامش فعاليات المعرض الحربي، اصطحاب بوتين لأردوغان لتناول أيس كريم، وهذا لم يكن حدثاً عرضياً فبوتين رجل استخباراتي له باع طويل في هذا السلك فهكذا مشهد محسوب بالدقة ولم يكن مجرد صدفة، وهذا إن دل على شيء فيدل على معرفة بوتين  لحالة التوتر التي رافقت أردوغان إلى روسيا لتهدئته (أردوغان) وأيضاً رسالة لأردوغان بأنه قادر على تجميد السياسة التركية المتبعة في سوريا وتقويضها في شمال غرب سوريا وخاصة في إدلب، بعد فشل المقايضة، وذلك بتنازل تركيا عن خان شيخون لروسيا والنظام مقابل السماح لها باحتلال شمال وشرق سوريا تحت مسمى المنطقة الآمنة، والتي تبدو من خلال المجريات والأحداث السياسية والعسكرية أن هنالك صفقة ويمكن قد حصلت في جولة أستانا 13 التي عقدت في بداية شهر آب المنصرم.

واستناداً إلى مسار العلاقات الروسية التركية حول سوريا والعلاقات بين البلدين في المجال الاقتصادي والسياسي وحالة العداء التاريخي بينهما، يمكن القول بأن حيثيات العلاقة الروسية التركية تشي بمحدودية هذه العلاقة، فبالرغم من التقارب الحاصل حول سوريا وتحسين العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، فعلاقة التقارب والتباعد يفرضها الموقف الدولي والإقليمي والظروف التي تنعكس سلباً عليهما، وضمن هذا السياق استطاعت روسيا في مسار علاقاتها مع تركيا الاستفادة من الخلافات التركية الأمريكية وإحداث شرخ كبير بينهما، ولكنها لم تستطع كسب تركيا بشكل كامل، والوصول إلى مستوى التحالف، والتطورات الأخيرة أثبتت بأن الناتو ما زال قادراً على كبح جماح تركيا الأردوغانية والحد من سياسته الخاصة في سوريا، حيث استطاعت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وقف تركيا التي كانت ستقوم بشن هجوم على شمال وشرق سوريا، لذلك فإن العلاقات التركية الروسية ستشهد الأزمات قد تكون مصيرية بينهما لإن حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان يشهد مرحلة التقهقر داخل الحزب و تراجع شعبيته التي كان يحظى بها، في ظل الواقع المنافس له في جبهة المعارضة التركية بسبب ازدياد شعبية المعارضة وكسب الفئات الاجتماعية، وهذا ما سيؤثر على حزب العدالة والتنمية وعلاقاته الخارجية مع روسيا والجماعات الإرهابية المتطرفة.