آراء وتحليلات

أردوغان وفوبيا الديمقراطية

كتبت بواسطة : NRLS

إن عزل رؤساء بلديات آمد، ووان، وماردين يكمن في صلب المسار السياسي ـ الحرب ـ الذي يتبعه أردوغان بشن الحرب واستعداء أي طرف نقيض له، وهو مسار له سعة مترابطة دولياً وداخلياً، لإرساء قواعد متناغمة وغير مزعزعة لحربه الخارجية ضمن المحور الدولي، من خلال بسط الهيمنة على مؤسسات الحكومية التي تدار بشكل ديمقراطي، تماشياً مع تقاربه من حلف الأوراسي عبر سلك طريق قريب من روسيا البوتينية (بوتين)، حيث الصرامة السياسية والأمنية تكون فحوى هذا المسار.

بناءً على ذلك تستمر حكومة العدالة والتنمية بقيادة أردوغان في شن حملة الإبادة على الكرد بمختلف أشكالها، سعياً منه في إنهاء أي إرادة تمثل الشعب الكردي، حيث قامت سلطات العدالة والتنمية في يوم الأثنين 19 أغسطس بالاستيلاء على ثلاث بلديات في المدن الكردستانية الرئيسية، آمد، ووان، وماردين بناء على مذكرة أصدرتها وزارة الداخلية التركية والتي تفضي إلى عزل رؤساء البلديات وهم كل من أحمد ترك رئيس بلدية ماردين، ورئيسة بلدية وان بديعة أوزغوكجه، ورئيس بلدية أمد عدنان سلجوق مزراقلي، واعتقال أكثر من أربعمائة شخص في مختلف المدن الكردستانية وتركيا، وبتهمة جاهزة وضعت مسبقاً منذ أن فاز حزب الشعوب الديمقراطي بالانتخابات البلدية في مارس/ أذار المنصرم بأن رؤساء البلديات على علاقة مع حزب العمال الكردستاني.

 وتحت شعار العلاقة مع حزب العمال الكردستاني تقوم حكومة أردوغان بتصفية الكرد سياسياً وتنظيمياً وثقافياً منذ عقود والاستيلاء على مؤسسات الشعب في باكور كردستان وتعيين الولاة في المدن الثلاث على البلديات، وعادة يكون الوالي من الشخصيات التابعة للأجهزة الأمنية أو من أعضاء حزب العدالة والتنمية وهذا يعني أن الخدمات العامة التي تقدمها البلديات في المدن الكردية الكبرى ستكون تحت إدارة وسلطة الأجهزة الأمنية التركية التي تعمل على وضع الإمكانات المالية والسلطات الإدارية للبلدية في خدمة الفئة المؤيدة والشخصيات الموالية للعدالة والتنمية في تلك المدن ولو كانت نسبة التأييد لأردوغان بسيطة جداً، وخاصة في مجال المناقصات والعقود التي تعطيها البلدية للتجار المحليين ومتعهدي البناء الذين يشكلون تأثيراً كبيراً على نسب الأصوات المؤيدة للحزب الذي يدير تلك البلدية وذلك من خلال الخدمات التي ستقدمها، مما يعني أنها محاولة من أردوغان للتأثير على النسبة المؤيدة للحزب الشعوب الديمقراطي، وبناءً على ذلك تهدف حكومة أردوغان من خلال سلب البلديات من الشعب إجراء الانتخابات المبكرة للبلديات قبل موعدها في 2023 عبر تقديم بعض الخدمات للشعب وإغرائهم بذلك لكسب ودهم وتأييدهم في الانتخابات التي ستعلن عنها من قبل سلطة العدالة والتنمية، ولكن مهما فعل أردوغان لن ينل من الكرد وحزب الشعوب الديمقراطية الذين يشكلون خطراً كبيراً على أردوغان وفي عام 2023 حيث ستجري الانتخابات الرئاسية والبلدية القادمة، وهذا ما أثبتته الانتخابات البلدية التي جرت في هذا العام والتي أكدت على أن حزب الشعوب الديمقراطي يمثل الطرف الحاسم في تغيير الحسابات الانتخابية لحزب العدالة والتنمية لصالح القوى التي تقبل بالديمقراطية والتعددية، لذلك أردوغان وبهذه السطوة على البلديات يريد إنهاء حزب الشعوب الديمقراطي في الساحة السياسية التركية، لأن أردوغان بات يدرك تماماً أنه إلى حين حلول عام 2023 ستتراجع شعبيته أكثر واستطلاعات الرأي الأخيرة في تركيا تفيد بتراجع شعبيته إلى ما دون 35 % النسبة الأخيرة التي حصل عليها في انتخابات البلديات هذا العام، وخاصة في ظل التوتر السياسي الذي يعيشيه أردوغان داخل الحزب من استقالاتٍ لأعضاءٍ في الحزب وأيضاً إنشاء حزب جديد بقيادة علي بابا جان وتراجع التنمية الاقتصادية في عموم تركيا، ولذلك أقدمت سلطات العدالة والتنمية على هذه الخطوة الأخيرة في المدن الكردستانية لوقف حالة فقدان القاعدة الاجتماعية وكسب ولائهم ثانية وخاصة القاعدة القومية التركية المتعصبة، بعد الهزيمة التي تعرض لها في الانتخابات البلدية الأخيرة وخاصة في المدن الكبرى في تركيا.

وبالعودة إلى المسلك السياسي المتناغم على الصعيد الخارجي، فإن عزل رؤساء البلديات يدخل ضمن نطاق  مساعي أردوغان من تقوية سياسته الداخلية بعد الفشل الذي مني به في مختلف الملفات الإقليمية وخاصة في سوريا سياسياً وعسكرياً، حيث الخسائر التي تلاحق الجيش التركي وأدواته من المرتزقة والإرهابيين في شمال غرب سوريا وتحديداً في عفرين وتقلص مناطق نفوذها في إدلب، والفشل في شن عملية عسكرية على مناطق شمال وشرق سوريا بعد الانتكاسة التي تعرض لها أردوغان خلال اللقاءات التي جرت في تركيا خلال ثلاثة أيام وعدم القدرة على إقناع الولايات المتحدة الأمريكية باحتلال شمال وشرق سوريا، إذاً هذه العملية الأخيرة هي محاولة من أردوغان لتعويض الخسائر التي حصدها خلال الفترة الأخيرة.